الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

35

نفحات القرآن

5 - نظرية الحاجات الأخلاقية يقول « أنشتاين » في بحث بعنوان « الدين والعلوم » : بقليل من الدقّة يتّضح أنّ الأحاسيس والانفعالات التي أدّت إلى ظهور الدين مختلفة ومتباينة جدّاً . . وبعد أن يشير إلى نظرية الخوف يضيف : إنّ النزعة الاجتماعية لدى البشر هي أيضاً من أسباب ظهور الدين ، فالفرد يرى أنّ أباه وأمه ، أصدقاءه وأقاربه ، قادته وعظماءه ، يموتون ، ويرحلون منْ حوله واحداً واحداً ، إذن فالرغبة في الهداية والمحبّة وأن يكون محبوباً في مجتمعه وأن يكون له أمل في شخص ما معتمداً عليه ، تمهد الأرضية في نفسه لقبول الاعتقاد باللَّه « 1 » . وبهذا فهو يريد أن يفترض دافعاً أخلاقياً واجتماعياً لظهور الدين . وهنا أيضاً نلاحظ أنّ الذين طرحوا هذه الفرضية قد خلطوا بين « الأثر » و « الدافع » ، في حين أنّنا نعلم أن ليس كل أثر هو دافع بالضرورة ، فَمن الممكن أن نعثر على كنز أثناء حفرنا لبئر عميق ، وهذا هو « أثر » ، والحال أنّه لا شك في أنّ المحرك والدافع الأساسي لحفرنا البئر شيء آخر وهو الحصول على الماء وليس اكتشاف كنزٍ ما . وعليه فصحيح أنّ بامكان الدين تسكين ومعالجة آمال وآلام الإنسان الروحية ، وأنّ الإيمان باللَّه يخلصه من الاحساس بالوحدة عند فقد الأحبّة والأصدقاء ويملأُ الفراغ الناتج من فقدانهم ، ولكن هذا أثر وليس دافعاً . الحافز الأصلي للدين والذي يبدو منطقياً جدّاً هو في الدرجة الأولى ما أشرنا إليه سابقاً ، فحينما يرى الإنسان نفسه وجهاً لوجه أمام نظام في عالم كلما تأمل فيه أكثر تعرف على عمقه وتعقيده وعظمته أكثر ، فهو لا يستطيع أبداً أن يعتبر ظهور ولو « وردة » واحدة بكل ما لها من ظرافة وبناء عجيب ، أو ظهور « عين » واحدة بكل ما فيها من نظام ظريف ودقيق ومعقد ، لا يستطيع أن يعتبر ذلك وليداً للطبيعة غير العاقلة والمصادفات العمياء الصماء ، ومن هنا يبحث الإنسان عن مُبدىء لهذا النظام .

--> ( 1 ) الدنيا التي أراها ، ص 53 .